محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

178

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الإسلام سلاما ، وعلى الإيمان أمنا وأمانا ؛ والمماثلة في اللفظ كالمماثلة في الجزاء ؛ وكما كان تخليبهم إيّاهم ومكرهم مكرا بهم ، وتخليبهم « 1 » إيّاهم وخداعهم خداعا لهم ، كذلك تخليبهم واستهزاؤهم استهزاء بهم . وسرّ آخر : الإمهال والإنظار في حقّ اللعين الأوّل لم يكن إنعاما عليه ، وتمكينه من بني آدم حتّى يراهم من حيث لا يرونه ، ويأتيهم من حيث لا يأتونه وتخليبه « 2 » حتّى ينخدع العباد نصيبا مفروضا وإضلاله إيّاهم بالهوى والأمل ومعاندة الأنبياء والرسل لم يكن إلّا ليزيد لعنا على لعن ، ويضاعف عقابا على عقاب ، وبعدا من الرحمة على بعد ، وحجابا على حجاب ، كذلك أولاده من الشياطين ، لم يكن خذلانهم لما فيهم من النفاق والخداع تارة ومن الفساد في الأرض تارة ، ومن الاستهزاء بالمؤمنين تارة ، إلّا ليزيدوا رجسا إلى رجس ، وخبثا على خبث ، ويستوجبوا عذابا بعد عذاب ؛ فيذوقوا وبال أمرهم ؛ واللّه عزيز حكيم ؛ عزيز ، إذ لا يفوته شيء ؛ حكيم ، إذ وضع كلّ شيء موضعه . وسرّ آخر : أنّ اللّه تعالى بيّن تفاوت المنافقين في دركات نفاقهم ؛ فابتدأ ببيان حالهم في الدركة الأولى ؛ إذ قال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، ثمّ ذكر أنّهم يخادعون اللّه والذين آمنوا ، ثمّ ذكر أنّ في قلوبهم مرضا يحملهم على النفاق والخداع ، ثمّ ذكر أنّهم المفسدون في الأرض ، ثمّ ذكر تسفيههم المؤمنين ، وأنّهم هم السفهاء ، ثمّ ذكر خلوتهم إلى شياطينهم بأنّا مستهزئون ، ثمّ ختم ذلك بالدركة السابعة ( 74 ب ) أنّهم : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فكانت هذه دركات المنافقين ومآكلهم سبعة ، كما قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « المؤمن يأكل في معاء واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء » 457 ؛ وإنّما هي أمعاء المذاهب التي هي طرق الضلال ، وأمعاء الشبهات السبع التي هي منشأ الغيّ والفساد ، وأمعاء مراتبهم في النفاق ؛ فمنهم من كان خفيّ النفاق بمرّة حتّى لا يظهر نفاقه إلّا في لحن القول أو خائنة الأعين أو استراق السمع أو تهوّك القلب أو الحرج في الصدر أو الإنكار على النبيّ - عليه السلام - في حكم كان يجريه على خلاف مراد المحكوم عليه أو على خلاف مدرك عقله ؛ وهذه أيضا سبعة أمعاء أخر يأكل فيها المنافق ؛

--> ( 1 ) . س : وتحليتهم . ( 2 ) . س : وتحليته .